بسم الله الرحمن الرحيم أنا أحد الشهداء، أخاطبكم من عالم آخر، من عالم الخلود، حيث الأئمة الطاهرة والأنوار المضيئة في هذه الآخرة الجليلة. إخواني وأعزائي، لم نُضَحِّ من أجل الدنيا، ولا من أجل المنصب أو المال، بل ضحينا من أجل الدين الذي يحفظ كرامة الإنسان وعزته. سأروي لكم قصتي: كنت في أحد البيوت المهدمة، والرصاص والقذائف تنهمر علينا كالمطر. إخوتي يتساقطون واحداً تلو الآخر، وأنا هنا أنظر يميناً وشمالاً، متذكراً يوم عاشوراء حينما كان الحسين (عليه السلام) ينادي: "يا أبطال الهيجاء، ويا حبيب، ويا عابس، ويا عباس... أين أنتم؟ قوموا من نومتكم أيها الكرام". كنت عطشاناً في ذلك اليوم، وقد أحاط بي العدو، إلى أن انهمر الرصاص واستقرت رصاصة في صدري. وهنا ناديت من أعماق قلبي: "السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك حينما كنت وحيداً وعطشاناً وتُحاصر من مكان إلى مكان. السلام عليك يا أبا عبد الله وأنت تنظر إلى الأطفال، السلام عليك أيها العطشان، أيها الغريب، أيها الوحيد". وهنا، في هذه اللحظة الفاصلة، أتاني طيفٌ نورانيٌ جميلٌ ومشرق، ينادي: "أهلاً بناصرنا وبعزيزنا". قلت: "يا مولاي، قد قتلني العطش ولم يبقَ لي أحد". قال: "اشرب، وسلّم عليَّ حين كنتُ عطشاناً وناديت بالقوم: وحق جدي رسول الله إني عطشان... وأنا أرى زينب فوق التل تنادي: يا جداه وامحمداه، هذا حسينٌ بالعراء. فناديتها: أُخية يا زينب، عليكِ بالأطفال والنساء فقد حرق العدو الخيام، عليكِ برقية فإنها عزيزتي". ثم عانقني بشدة، وارتفعت روحي معه إلى ذلك العالم لنكون فيه من الخالدين. أوصيكم أن تحفظوا دماءنا، ومنهج الرسول وأهل بيته الذي ضحينا من أجله بالغالي والنفيس. لا تنسوا، فنحن بانتظاركم... ننتظركم... ننتظركم.